الشيخ محمد رشيد رضا
364
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التي تقوي الباه ، فتنتابهم الأمراض والأسقام ، ويسرع إليهم الهرم إذا لم يسرع الحمام ( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) الجملة تعليل للنهي عن تمكين الشيطان مما يبغي من الفتنة ، وتأكيد للتحذير منه ، والتذكير بعدواته وضرره وذلك أنه يرانا هو وقبيله أي جنوده وذريته من شياطين الجن ولا نراهم ( وأصل القبيل الجماعة كالقبيلة وخص بعضهم القبيلة بمن كان لهم أب واحد والقبيل أعم ) « وحيث » ظرف مكان ، أي يرونكم من حيث يكونون غير مرئيين منكم ، والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان خطره أكبر ، ووجوب العناية باتقائه أشد ، كاتقاء أسباب بعض الادواء والأوبئة التي ثبتت في هذا الزمان برؤية العينين بالمجهر - أي المرآة أو النظارة المكبرة للمرئيات - وهو أن لكل داء منها جنة من الديدان أو الهوام الخفية تنفذ إلى البدن بنقل الذباب أو البعوض أو القمل أو البراغيث أو مع الطعام أو الشراب أو الهواء فتتوالد وتنمي بسرعة عجيبة حتى تفسد على المرء رئته في داء السل ، وأمعاءه في الهيضة الوبائية ، ودمه في الطاعون والحميات الخبيثة ، وقد أشير في الحديث إلى سبب الطاعون فيما ورد من أنه من وخز الجن ، وإلى داء السل فيما ورد من تحول الغبار في الصدر إلى نسمه ، وفعل جنة الشياطين في أنفس البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء الميكروبات في أجسادهم ، وفي غيرها من أجسام الاحياء : تؤثر فيها من حيث لا ترى فتتقى ، وانما ينبغي للعقلاء أن يأخذوا في اتقاء ضررها بنصائح أطباء الأبدان ولا سيما في أوقات الأوبئة كاستعمال المطهرات الطبية والتوقي من شرب الماء الملوث بوصول شيء اليه مما يخرج من المصابين بالهيضة أو الحمى التيفوئيدية ، إلا أن يغلى ثم يحفظ في آنية نظيفة وغير ذلك . ولو كانوا يرون تلك الجنة بأعينهم كما يراها الأطباء بمجاهرهم ، لا تقوها من غير توصية بقدر طاقتهم . والوقاية نوعان أحدهما اتخاذ الأسباب التي تمنع طروءها من الخارج كالذي تفعله الحكومات في المحاجر الصحية في ثغور البلاد ومداخلها أو في أمكنة بعيدة عنها كجزائر البحار للوقاية العامة للبلاد كلها . أو في بعض البلاد دون بعض ، ومثله ما يتخذه أهل البيوت لوقاية بيوتهم ، والنوع الثاني تقوية الأبدان بالأغذية الجيدة والنظافة التامة لتقوى على منع فتك هذه الجنة فيها إذا وصلت إليها ، كما يتقى تولد السوس في حب الحصيد بتجفيفه ووضع بعض المواد